أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

8

نثر الدر في المحاضرات

وقدم وفد من اليمن عليه ، فقرأ عليهم القرآن فبكوا فقال : « هكذا كنّا حتى قست القلوب » . وقال : طوبى لمن مات في نأنأة الإسلام » « 1 » . ولما قال الحباب بن المنذر « 2 » يوم السقيفة : أنا جذيلها المحكّك ، وعذيقها المرجّب ، إن شئتم كررناها جذعة . منا أمير ومنكم أمير ، فإن عمل المهاجريّ شيئا في الأنصاري ردّ عليه الأنصاري ، وإن عمل الأنصاري شيئا في المهاجري رد عليه المهاجريّ . فأراد عمر الكلام ، فقال أبو بكر : على رسلك . نحن المهاجرون ، وأوّل النّاس إسلاما ، وأوسطهم دارا وأكرم النّاس أحسابا وأحسنهم وجوها ، وأكثر الناس ولادة في العرب ، وأمسّهم رحما برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . أسلمنا قبلكم وقدّمنا في القرآن عليكم ؛ فأنتم إخواننا في الدّين ، وشركاؤنا في الفيء ، وأنصارنا على العدوّ . آويتم وواسيتم ونصرتم ، فجزاكم اللّه خيرا . نحن الأمراء وأنتم الوزراء . لا تدين العرب إلا لهذا الحيّ من قريش ، وأنتم محقوقون ألّا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما ساق اللّه إليهم . ومن كلامه ذلك اليوم : نحن أهل اللّه ، وأقرب الناس بيتا من بيت اللّه ، وأمسّ الناس رحما برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، إنّ هذا الأمر إن تطاولت له الخزرج لم تقصر عنه الأوس ، وإن تطاولت له الأوس لم تقصر عنه الخزرج ، وقد كان بين الحيّين قتلى لا تنسى ، وجراح لا تداوى ، فإن نعق منكم ناعق فقد جلس بين لحيي الأسد يضغمه المهاجري ، ويجرحه الأنصاري . قال ابن دأب : فرماهم اللّه بالمسكتة . حدث سفيان بن عيينة « 3 » لما قال عمر لأبي بكر : استخلف غيري . قال

--> ( 1 ) النأنأة : العجز والضعف ، ونأنأة الإسلام : أي أول ظهوره وضعفه . ( 2 ) هو الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري ، شهد بدرا وتوفي في خلافة عمر بن الخطاب ( انظر : الطبقات الكبرى لابن سعد 3 / 427 ، كتاب الثقات لابن حبان 3 / 90 ، الإصابة 1 / 216 ) . ( 3 ) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالي ، أبو محمد ، حافظ ثقة واسع العلم ، ولد بالكوفة سنة 107 ه ، وتوفي سنة 198 ه ، ( انظر : كتاب الثقات لابن حبان 6 / 403 ، الطبقات الكبرى لابن سعد 6 / 41 ، شذرات الذهب ( 1 / 345 ) .